الدِّين والدَّولة
تُثار بين الحين والآخَر قضايا الدِّين والدَّولة بطروحات متنوّعة قد تحتاج أحياناً إلى بيان وتفسير أو إيضاح وتكميل، عسى أن تساهم في رفع الغبار وصفو الجوّ إذا ما قُدّمت الصّورة بشكل أفضل. وجدليّة الدِّين والدَّولة واحدة منها.
ولكن، لا بدّ في البدو من تقديم تعريفٍ لبعض المفردات وإن كانت تبدو بسيطة وسهلة:
الدِّين: اصطلاحاً، هو مجموعة تعاليم سماوية غيبيّة صادرة من لدن صانعٍ عالمٍ عادلٍ حكيمٍ تهدف إلى سعادة الإنسان في الحياة الدنيا والآخرة، فيدينُ بها وينقادُ إليها مَن يؤمن بها، فهو مُتديِّن. وهي تعاليمٌ شاملة لجميع البشر وعابرة للزّمان والمكان. وما دام الخالق الصّانع واحدٌ فيقتضي أن يكون الدِّين واحداً أيضاً لا يتعدّد. قال تعالى في سورة الحجّ، آية ٦٧: ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ)).
الشّريعة: هي ما يتفرّع عن الدّين من قوانين وتشريعات تناسب مقتضيات الزّمان والمكان وطبيعة الشّريحة المخاطَبة، ولذا فهي قد تتعدّد وتتغيّر بمقتضى السّير الصّعودي للإنسان تطوّراً وتّكاملاً. قال تعالى في سورة المائدة، آية ٤٨: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)) وليس بالضّرورة أن تكون واحدة أو ثابتة.
الدّولة: هي مجموعة مؤسّسات ترتبط ببعضها عضوياً ضمن هيكليّة ونظام محدّد تحكم أرضاً وشعباً وتحظى بسيادة واعتراف قانوني على المستوى الدّولي.
الحكومة: هي الجهة الأبرز في الدّولة والجهاز المخوّل بممارسة السّلطة لإدارة البلد وفق قوانين وتشريعات الدّولة بما تقتضيه مصلحة الوطن والمواطنين.
الشّعب: هو مجموعة النّاس التي تعيش على بقعة جغرافية محدّدة تحكمها دولة واضحة المعالم وتحمل هويتها القانونية. وإن كان قد يُستخدم هذا اللّفظ لعموم استغراقي في معنى قومٍ أو لغةٍ أو لون من النّاس.
الأمّة والملّة: مجموعة النّاس التي تجمعها هويةٌ موحَّدة بأصولها وغاياتها من دينٍ أو عقيدةٍ أو لغةٍ أو تأريخ. وليس بالضّرورة أن تتحدّد ببقعة جغرافية أو عرقية أو بزمن معيّن، فهي أمّة تشمل الماضين من الأموات والمنتمين الحاليين وما سيلحق بها في مستقبل الأزمان. قال تعالى في سورة الأنبياء، آية ٩٢: ((إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)) وفي سورة النّسآء، آية ١٢٥: ((وَمَنْ أحْسَنُ دِيْناً مِمَّنْ أسْلَمَ وَجْهَهَ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهيْمَ حَنيْفَاً)) فهو تديّن واتّباع مفتوح لجميع أنواع البشر في كل زمان وكل مكان.
إنْ صحّت هذه التّعريفات المجُملة وكانت مقبولة، فيمكن القول حينئذ أنّ الدِّين والدَّولة يشتركان في بعض الجوانب ويختلفان في جوانب أخرى. فإنْ كان ذلك، فما هو موقف المسلم المعاصر مِن “الدّولة” في الوقت الحاضر؟
لعلّ أهمّ مشترك بين الدِّين والدَّولة هو الهدف السّامي اللّذي يتحدّثان عنه، وهو المصلحة العليا للنّاس. وذلك بداعي ضرورة نظم أمورهم دفعاً للفوضى والهرج، ووضع وتسهيل ما يساعد النّاس على العيش الإنساني النّبيل في جميع ما يمكن أن يعزّز مِن مِنعتهم وكرامتهم وتقدّمهم وازدهارهم ورقيّهم في مختلف مجالات الحياة.
ولكن، كيف يمكن أن يتحقّق ذلك؟ هنا قد تتقشّع الغيوم وتسفر عن بعض مواضع الاختلاف بين ما يُفهم من الدِّين وبين ما تُطرح من نظريّات لمفكّرين ومنظّرين في مسألة الحُكم والسُّلطة.
فمن جهة، يبدو أنّ الدِّين يهمّه الهدف المذكور آنفاً أكثر ممّا يهمّه الوسيلة والطريقة والآليّة إذا ما رجعنا إلى التّعاريف المارّة الذّكر ولاحظنا الفرق بين مفهوم “الدّين” وبين “الشّريعة” قياساً بما يعنيه مفهوم الدّولة كمصطلح حديث يركّز على الأليات والوسائل الدّاعمة والمساندة لنظام الحكم. فالمعروف أنّ الدِّين ثابت لا يتغيّر في ركائزه العظمى والأساسيّة ولا يغيّر ولن يتغيّر أبداً فهو حينما حرّم القتل والسّرقة والخيانة والظّلم والاضطهاد والقمع و… إلخ فتلك وأمثالها أحكام ثابتة أبدية. بينما الشّرائع قد تعدّدت وتتغيّر، ولذا كانت هناك شريعة موسى وشريعة عيسى و… إلخ، بما يعني أنّها خضعت لمتغيّرات الزّمان والمكان وطبيعة الشّريحة البشرية التي يتعاطى معها كثقافة أو حضارة أو سُنن اجتماعية وما إلى ذلك فتَرَكَ فسحة من المجال للتحرّك فيها بتفريع تشريعات مناسبة للمرحلة على يد أمناء أكفاء.
من جهة ثانية، يبدو أنّ “الفرد” هو موضوع اختلاف كذلك. فالفرد في المفهوم الدّيني أشمل وأوسع ممّا هو في الدّولة. وكما لاحظنا مِن التّعريفات المارّة الذّكر أنّ الدِّين يخاطب العقل والروح والوجدان ويشرعن للأفراد تشريعات كأمّة عابرة للحدود الجغرافية فضلاً عن اللّغة أو العرق أو اللّون وما إلى ذلك. بينما الدّولة تَتَحدّد حصراً ببقعة جغرافية معينة تخصّ بعض أفراد البشر.
وإذا ما استمرّينا بالنّظر والتّأمل، فسنجد أمامنا موضع اختلاف ثالث يتجلّى في هيكليّة السّلطات الثّلاث. ففي مفهوم الدّولة إنّما حُبّذ فصل السّلطات التّشريعية والتّنفيذية والقضائية عن بعضها البعض من أجل مراعاة التّوازن لئلّا تتعزّز أو تطغى الإنفرادية فيسود الاستبداد. بينما الدِّين إنْ توفّرت الظّروف الموضوعية لاستلامه حكماً وسُلطة في زمان أو مكان ما فسيكون في الأمر تفصيل. فإنْ كان المتصدّي للحكم والإدارة ممّن قال عنه القرآن ((اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ)) فلا مجال حينئذ لمعنى فصل السّلطات بعد الاعتقاد بأنّ الله عالم وعادل وحكيم في مَن يصطفي وينصّب ((وَيَخْتَارُ)) بينما النّاس ((مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)). وإذا ما كان المتصدّي سوى شخص يدين بذلك الدِّين، أي متديّن، فسيبقى في دائرة الإتهام مهما أوتي مِن كفاءة (أعلمية وخبرة) ونزاهة (تقوى وورع) لعدم العصمة المشار إليها في سورة البقرة، آية ١٢٤: ((قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))، فتأمّل! فمن التّكلّف قياس أو مقاربة نظام الدّولة على نظام دولة اسلامية يكون على رأسها فقيه تارة ومعصوم تارة أخرى.
ولأكتفي هنا بذكر موضع رابع من مواضع الاختلاف الّذي يلوح في أفق هذه التّعريفات، وهو أنّنا جميعاً نعلم وندرك أنّ ما يهمّ الدِّين هو صلاح البشرية ككلّ، وأنّ تعاليمه مناسبة لجوهر الإنسان بما هو إنسان، ولذا فالدِّين لا يمكن أن يتحدّد بقيد الزّمكانية ولا الشّعوبية ولا المناطقيّة وغير ذلك. بينما الدّولة لا يهمّها سوى رزمة مصالح تهمّ شعبها هي والبقعة الجغرافية التي تحمكها هي وبالتّالي لا يهمّها مِن الآخرين شئ، بل إنّ المصالح ستكون هي المتسيّدة، ولذا تنشأ وتشبّ النّزاعات والحروب بين الدّول بشكل مستمرّ ولو أنّها قبِلَت واتّفقت سلفاً على تأسيس كيان “أمم متّحدة” ليحميها من الحروب ويدرأ عنها الدمار.
بناء على هذه الفوارق، فلنعد إلى السّؤال الّذي تصدّر به الكلام عن موقف المسلم المعاصر مِن “الدّولة” في الوقت الحاضر؟
لا أريد فصل الحكم عن الدِّين تماماً. فما المانع مِن أن تكون هناك دولة دينية ما إذا كان “شعب” تحدّه جغرافيا معيّنة تجمعه عقيدة واحدة بأصول وأهداف مشتركة؟ ذاك خياره. لكن كيف سيكون الحال فيما إذا كان “شعب” على غير مفهوم “أمّـــة”؟ أي، شعب متعدّد العقيدة والأصول والأهداف. فماذا يقول الدّين هنا؟ وما هو موقف المسلم تجاه أخيه المواطن مِن أبناء شعبه “نظير له في الخلق” على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)؟ بل ما هو موقف المسلم مِن صنوه “أخ لك في الدّين” إذا ما أراد أن يكتفي بالدِّين على قاعدة ((وَمَنْ يَبْتَغيْ غَيْرَ الإسْلامِ دِيْنَاً فَلَنْ يًقبَلَ مِنْهَ)) دون اتّباع “شريعة” هذا الفقيه أو ذاك ممّن يدعو إلى إعمال الولاية الدّينية على النّاس في عصر غيبة المعصوم؟
يظهر، أنّ مسألة الدّولة والسّلطة والحكم انطلاقاً من اعتبارها وسيلة وليست هدفاً كانت خياراً حتى على مستوى المعصوم نفسه مع أنّه هو الخليفة الشّرعي عن الله مالِك الدِّين الذي نتحدّث عنه. فالوثائق التأريخية، المقدّسة وغير المقدّسة، تحدّثنا عن أكثر مِن نموذج في هذا الصّدد توفّرت لهم أكثر من فرصة لعدد من خلفاء الله في أرضه المعصومين ولم يتّصدوا. لماذا؟ الوثائق التأريخية تذكّرنا بما تعرّض له المروانيّون الأمويّون من مذلّة حتى صار بعض كبارهم يلجأ إلى منزل الإمام عليّ بين الحسين زين العابدين السّجاد (عليه السّلام) ولكن الإمام لم يبادر إلى شئ! الإمام محمد بن عليّ الباقر (عليه السّلام) ثُنيت له الوسادة وكان بإمكانه سحب البساط من تحت أرجل بقايا الأمويين بكلّ بساطة، فلم يفعل! وحينما تغلّب العبّاسيون على الأمويّين تفاوضوا مع الإمام جعفر بن محمد الصّادق (عليه السّلام) علانية في الأبواء، فلم يقبل التّصدي بل رأى تكليفه بالتّصدي في ميدان آخر، ميدان العلم والتّربية والتّزكية وليس ميدان الحكم والإدارة والسّياسة! بل حينما أجبر المأمون الإمام عليّ بن موسى الرّضا (عليه السّلام) بعد أن هدّده بالقتل قَبِلَ بولاية العهد بشروط كان أهمّها عدم التّصدي بممارسة القيادة وإصدار الأحكام والأوامر والتنفيذ! فماذا يعني كلّ ذلك؟ وقبل ذلك كلّه، ما بالنا أنْ لا نرجع إلى القرآن الكريم النصّ المقدّس الّذي لا خلاف عليه؟ أليس القرآن ينصّ في سورة البقرة، آية ٢٤٧، قائلاً: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّـهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)). وهو نصّ واضح لا لبس فيه أنّ هناك نبيٌّ يقوم بمهمّته بالإبلاغ عن الغيب ويقولها صراحة يا ناس أنتم لا بدّ لكم من حكم لإدارة البلاد والعباد، وهو ليس بالضّرورة أن يتوفّر فيَّ أنا النّبي المرسل، فاختار الله لكم “ملكاً” وفقاً لمعايير ربّانية من كفاءة ونزاهة وكمال خلافاً لمعاييركم القائمة على الإقتصاد والنّفوذ. فهل من نصّ أوضح من هذا يدلّ على عدم ضرورة اتّحاد المهام الدّينية بالزّعامة السّياسية؟ فلماذا يصرّ البعض عليها لدرجة يبلغ معها التّجرّؤ بوصم مَن لا يراها ملائمة لسبب وآخر بتهمة حدّ الشرك بالله؟ حتّى وكأنّه يطال هذا النّبي المرسل والعياذ بالله!
لقد قام الأنبياء بدعوة البشرية كلّها إلى الله الواحد الأحد من دون التّقيد بحدود جغرافية أو غير جغرافية، وإنْ حصل ما يمكن الحديث عنه في شكل نظام حكم وإدارة فهذا قد يكون ضمن ما أشرتُ إليه بعبارة سابقة قلت فيها [لا أريد فصل الحكم عن الدِّين تماماً. فما المانع مِن أن تكون هناك دولة دينية ما إذا كان “شعب” تحدّه جغرافية معيّنة تجمعه عقيدة واحدة بأصول وأهداف مشتركة؟ ذاك خياره]. وهذا يتجلّى في حياة النّبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وفي حياة الإمام عليّ (عليه السّلام) على حدٍّ سواء. فالنّبي بعد ثلاث سنوات من الدّعوة السّرية، مارس الدّعوة العلنية في مكّة المكرّمة ولا أتذكّر فيما مررت به من كتب تأريخ وسيرة أنّه (صلّى الله عليه وآله) دعا أو أشار أو ألمح إلى نيّة تأسيس دولة طيلة عقد من الزّمان. وحتّى بعد أن هاجر إلى يثرب فلا يبدو في السّيرة ما يشير إلى مخطّط إقامة دولة، ولذا يثيرني العجب حينما أرى مقولة أنّ النّبي هاجر إلى المدينة المنوّرة من أجل تأسيس دولة. لا أدري على ماذا يستند القائلون بذلك؟ إنّ كلّ ما تحدُّثنا به الوقائع التّأريخية في سيرة النّبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) هو أنّ الله سهّل له بأَتْباع جُدُد تلقّفوا دعوته بأسرع وأبسط ما يمكن وهم من قبائل يثرب (المدينة المنوّرة لاحقاً). وكان يعيش هو وأصحابه المكّيّون القلائل عيشةً ضنكاً فاضطرّ إلى الهجرة عن بلده مكّة الّتي كان يفهو إليها ويبكي كلّما ذكرها. وحينما هاجر واستقرّ بالمدينة كان أوّل ما أسّس وشيّد وأقام هو المسجد وليس الديوان الملكي أو القصر الحكومي! نعم، حينما رأى هناك مطلباً صادراً من “شعب” وليس بالضّرورة من “أمّـــة”، ورأى إلى جانب المؤمنين به شرائح أخرى كالوثنيين، واللّاأدريين، واليهود، وبعض النّصارى، من داخل المدينة وضواحيها والقرى المجاورة لها، لبّى الدّعوة من أجل مراعاة الحقوق والمحافظة على الأمن والإستقرار وكذلك المكتسبات التّي حقّقها فهي الأخرى تحتاج إلى حفظ وصون. لذا، جَمَعَ كبار مختلف الشّرائح الإجتماعية وطرح عليهم وناقش معهم “صحيفة المدينة” والتي تُعتبر اليوم أهمّ دستور تأريخي مأثور يضمن حقوق “الشّعب” تحت سلطة واحدة. وحينها، لم يكن هناك من عيب أو خطأ ما إذا ما شكّلت الأغلبية نظام حُكم تقبله الشّرائح الأخرى الموقّعة على “صحيفة المدينة” ويكون على رأس هذا النّظام نبيٌ معصوم مسدّد من السّماء. لا يبدو أنّه أمرٌ كان قد خُطّط له مسبقاً لنقول إنّه مطلب ديني ملحّ، إنما كلّ الدلائل والمؤشرات تقول إنّه أتى نتيجة “شريعة” تقبل المتغيّرات الملائمة لبيئة وطبيعة وتنوّع اليثربيّين. فحَكَمَ “الدِّين” الإسلامي في المدينة المنوّرة بــــ “شريعة” حسب مقتضيات البقعة الجغرافية للمدينة المنوّرة وحسب مقتضيات “الشّعب” المتنوّع الأصناف فيها آنذاك. نفس الأمر ينسحب على ما مرّ به أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) الذي كان بإمكانه قلب السّقيفة وقراراتها الإستبدادية العجولة والاستحواذ على السّلطة التي هي ملكه الرّبّاني شرعاً وقد سُلبت منه ظلماً وجوراً. لكنّه لم يشأ ذلك فاتّخذ موقف المعارضة البنّاءة المصحّحة والنّاصحة والمرشدة الصّابرة على ما مرّ من انحراف خطير. وحينما عاد الكُلُّ إليه ليتسنّم الخلافة التي لم يكن راغباً بها أصلاً، قَبِلَها لهذا السّبب لا غير، مصرّحاً بقوله “لو لا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود النّاصر…” أي تلبية لمطلب “الشّعب” لا بدّ من استتباب الأمن وسدّ باب الفوضى والفتن ولا بدّ من حكم وحاكم وسُلطة و”لا بدّ للنّاس من أمير، بَرٍ أو فاجر” على حدّ تعبيره. ومع كلّ ذلك، سار بنفس “الدِّين” الّذي جاء به المصطفى (صلّى الله عليه وآله) ولم يمنعه من أن يمارس “شريعة” فيها شئ من المغايرة حينما كان هناك “شعب” يعيش أزمة متغيّرات عمرها ربع قرن وفي منطقة متنوّعة الخلفيّات الثّقافية والحضارية والفكرية أعني الكوفة حتى لم يكن بوسعه أن يغيّر صلاةً يعلم النّاس الّذين أرادوه خليفةً عليهم أنّها صلاة مستحدثة لم تكن على عصر النّبي فصرخوا بوجهه “وا سنّة عمراه”! فاكتفى ببيان الحكم الشّرعي، وهو حاكم مبسوط اليد مقتدر، ولم يجبرهم على تغيير قناعاتهم ولا قواعد الصّلاة في مسجد الكوفة رابع أهمّ المساجد في الإسلام.
حسبما أظنّ، أنّ موقفي من الدّولة، كمسلم مؤمن بالله وبرسوله وباليوم الآخر أدين بدين الإسلام، هو أن تَتْرُك الدّولُ والحكوماتُ والسّلطاتُ النّاسَ ودينَهم وما يشاؤون من دون أيّ تدخّل ومن دون أيّ استغلال واستخدام للدّين في أجندتهم السّياسية بل وإن أمكن أن تُمنع بشكل وآخر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أن ألتزم أنا المتديّن المؤمن بتعاليم ديني وقِيَمه النّبيلة العليا إلتزاماً يؤهّلني أن أمثّله خير تمثيل في أيّ بلد كنتُ وفي أيّ زمان أعيش، ولا أهتمّ بالدّولة إلا بحدود مصلحتي ومصلحة أسرتي ومصلحة مجتمعي ومصلحة شعبي الذي تحدّه جغرافيا معيّنة ودولة نابعة من إرادة واختيار وانتخاب “الشّعب” مباشرة لغرض الإدارة وأداء الخدمات لا غير. وهذا لا يتعارض أبداً مع القيام بمهمّه تتبّع أحوال أبناء “أمّتي” خارج حدود جغرافية بلدي والتّي يجمعني بجميع أفرادها “الدّين” الّذي أدين به فأشاركهم همومهم وتطلّعاتهم ومعاناتهم وأمارس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والممارسة الفعّالة التي قد تجعل منّي عاملاً مؤثراً في هذه البقعة الجغرافية لصالح صنوي الدّيني الّذي يعيش في تلك البقعة الجغرافية الأخرى على مبدء ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))، ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ)). فلا تعارض، بل يبدو هو التّكامل بعينه وهو ما نحن بأمسّ الحاجة إليه في العصر الراهن وفي ظلّ النّظام العالمي القائم.
وماذا عن دولة الحقّ الموعودة؟ فيمكن القول حينئذ ما إذا أنيطت المهمّة الرّبانيّة بالمنقذ “المعصوم” الذي سيأتي بالعدل والقسط، فذلك وشأنه كيف سيتعامل مع الظّروف وعنصرَي الزّمان والمكان وليس لنا سوى الطّاعة والإنقياد. وهنا قد يخطر بالبال التّساؤل عن معنى الإظهار في قوله تعالى ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)) الذي تردّد ثلاث مرّات في القرآن في سِوَر التّوبة والفتح والصّفّ، وكيف سيظهره مِن دون دولة ذات سطوة وقوّة؟ هنا يلزم التّأكيد مرّة أخرى على أنّنا لسنا بصدد نفي تصدّي الدِّين للدّولة بقدر ما نؤكد على أنّ الدّولة ما هي إلا وسيلة متغيّرة متنوّعة خاضعة للتطوّر والتّكامل بينما الدِّين أكبر منها وأوسع وأشمل بكثير. ولا يمنع الصّانع الخالق العادل الحكيم إذا ما أراد بسط العدل والقسط أن يسلّح المصلح والمخلّص والمنقذ بقوّةٍ على مستوى كونيّ مهيمن ليَحْكُمَ ((بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ))، فإنّ هذا “أمره” هو عزّ وجل ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)) وليس “أمرنا” المحدود بنا زمانياً ومكانياً ((وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)). شخصياً، أميل إلى هذه القناعة، لكن بنفس الوقت لا يبدو لي أنّها الوسيلة الضّرورية أو النّهائية والوحيدة لتحقيق هذا الهدف الإلهي بل لعله يتحقّق ظهور الدِّين الواحد “الرّباني” على الأديان “المنحرفة والمصنّعة والمستحدثة” كافّة بقوّة التّفوق العقلي والإقتناع النّفسي والسّلاح السّلبي وأقصد به سلاح غير الحديد والنّار كما نلاحظ اليوم عجز أعتى القوى العالمية أمام فايروس كوفيد١٩ الذي لا زالت كبرى مختبرات العالم تتسابق بميزانيات فلكية للفوز بسبق الإعلان عن لقاح ولو نسبي له. العجز الذي دعا كبار قادة العالم ممّن قد لا يدين بدين منهم إعلان عجزه وطلبه النّاس اللّجوء إلى الله للخلاص من هذا الوباء العالمي. فللّه في خلقه شؤون، ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)).
مع كلّ هذا الوضوح في الفوارق بين “الدِّين” و”الدّولة”، لا أدري ما هي الثّمرة المبتغاة من إقحام هذا الموضوع في معركة ومخمصة المصطلحات والمفاهيم العائمة ونخلط فيما بينها ونُلبس هذه بتلك وذاك بهذا؟ لا أدري ما هي الحكمة من زجّ الدِّين في هذه المعمعة التي تشغل المسلمين وشبابهم بمواضيع ليست ذات أولويّة تمسّ حاضرهم ومستقبلهم وبمصطلحات كأنّها إعلامية أكثر منها علميّة قد لا تسهم إلّا بأدلجتهم واتّخاذهم مواقف سلبيّة إمّا من الدّين نفسه وإمّا من الدّولة الّتي يعيشون فيها؟ لا أظن أنّنا بحاجة إلى توليفة الدّولة الحديثة ومقارنتها أو مقاربتها بإقحام نبي معطاء ومضحّي يتلو على أمّته ((آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)) وباختراع تسميات ومصطلحات تسرّ بعض النّاظرين لحاجة في نفس يعقوب على أحسن ظنّ. بصراحة، لا داعي لكل ذلك.
—————————
* محمد باقر الرّضوي الكشميري
عالم دين، باحث، ومؤلف. وكيل شرعي عن المرجعية الدينية. نائب الأمين العام لمؤسسة إمام، مكتب الإرتباط بالمرجعية الدينية العليا في أمريكا الشمالية. للمزيد يزار الرابط التالي: https://imam-us.org/sayyid-mohammad-baqir-kashmiri