الإسلام والعلوم
هل يوجد علم اقتصاد إسلامي؟
هل يوجد علم اجتماع إسلامي؟
هل يوجد علم كيمياء إسلامي؟
هل يوجد علم سياسة إسلامي؟
هل يوجد علم إدارة إسلامي؟
وهلمّ جرّاً.. لسائر العلوم الأخرى.
أعلم أنّ هناك نقاشاً طويلاً عريضاً يدور بين أقطاب الفكر وبين الباحثين المعنيّين على ضفّتَي نهر المعرفة، الحوزوي والأكاديمي، في هذا المجال وكلّ له وجهة نظره الّتي يرها من زاويته. إلّا أن يُسحب الموضوع إلى الفضاء العام ويتمّ إشغال عامّة النّاس به بدلاً من توجيههم إلى بناء الذّات وتنميتها وبناء المجتمع وتنميته والتركيز على الأولويّات الّتي من شأنها أن تنهض بهم لتقلّل من سرعة تأخّرهم ولئلّا يتأخروا كثيراً عمّا هم متأخرين به أصلاً وذلك من أجل ما يليق بهم وبتأريخهم وبأصالتهم، فإنّ أمراً كهذا لا يبدو رشيدا.
لا أدري ما يضرّ بعض المصّرّين على فكرة “أسلمة العلوم” إن كان الإتجاه الآخَر يسود ويتقدّم يوماً بعد آخر ويبرهن عمليّاً وتجربيّاً عن مديات نجاحه في الحياة العامّة؟ إلى متى يرى البعض أنّه من الواجب أن يحشر نفسه في زاوية ليضطرّ إلى تقديم تفسير للدّين بشكل لا يخدم الدّين ولا المتديّنين عموماً بل ولا يخدم حتّى نفسه هو على المدى البعيد وإن كان مستفيداً من هذه الزّوبعة على المدى القريب؟
إنّني كمسلم مؤمن، قارئ، أسير في طلب العلم والمعرفة، أحاول أن أتفهّم القرآن والحديث الشّريف، وكلمات الفقهاء والمفكّرين، لم يتّضح لي بعد ما إذا كان القرآن الكريم، أو الإسلام عموماً، أو الدّين بشكل أعمّ أنّه كتاب أو رسالة أو مهمّة تنطوي على أيّ علم من العلوم وإن كان فيه إشارات أو تلميحات أو تضمينات لبعض ظواهر هذه العلوم في هذه الآية أو ذلك المقطع من النّص الشّريف.
بصراحة، إنّ القرآن الكريم ليس كتاب كيمياء، ولا فيزياء، ولا رياضيات، ولا سياسة، ولا إدارة ولا ولا..، إنّما هو كتاب “قِيَم” و”مبادئ” و”أسُس منطقية” و”أسُس أخلاقية” جاء ليحرّك العقول فتتنوّر بنور الله فتستعمر الأرض والسّماء والكون من أجل هدف الله من خليقته، وترك مجالاً مفتوحا ًعلى مصراعَيه لهذه العقول أن تبحث عن الآليّة المناسبة لتطوّر العقول وتقدّم الزمن وتكامل التّجارب لتبدع بالوسائل والآليات لاكتشاف المزيد من العلوم والمعارف ومنها العلوم المشار إلى بعضها آنفاً. فإن كان هناك إخفاق في أيّ مجال من مجالات العلوم فهو ليس إخفاق الدّين ولا يمكن تحميل الدّين ذلك، إنّما هو اخفاق المتديّنين الّذين قصّروا أو قصروا في الجد والإجتهاد فنال غير المتديّن حظاً وافراً جعله متقدماً في شؤون الدّنيا على المتديّن. فما الدّاعي أن يتمشدق هذا وذاك ويلبس لبوس الدّين اخفاقاته ويعبّر ويروّج لأسلمة العلوم بغير حق؟
يوجد هناك علم اقتصاد، ومذهب اقتصادي، وسياسات اقتصادية، واجراءات وتقييمات وتحليلات تحصل بمرور الزّمن فتؤثّر على المذهب الاقتصادي وسياساته حتّى لو بقيت الأسس الفكرية الأساسية هي هي كما يلاحظ في الاتجاه الاشتراكي أو الرّاسمالي. هذا لا يمكن بحال قرنه بالدّين ومحاولة سحبه على القرآن وثمّ نبرّر لأنفسنا فنتحدّث عن علم اقتصاد اسلامي، وعن مذهب اقتصاد اسلامي، وسياسات اقتصادية اسلامية وهكذا. هل حقّاً يوجد لذلك وجود في الإسلام؟
نعم، الاسلام يتحدّث عن قيم ومبادئ تتعلّق بالاقتصاد، فهو ضدّ الفقر لكنّه مع الوفرة، وهو ضدّ الابتزاز والتسلّط والفوقية الماليّة ولكنّه مع العزّة والرّفعة والتّقدّم المالي والاقتصادي، وهكذا. أمّا كيف؟ فذلك متروك لجهد الإنسان واجتهاده أيّاً كان دينه أو لونه أو طعمه أو رائحته. قال تعالى ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾[الإسراء ٢٠: ١٧].
الأمر نفسه يسري وينطبق على الإدارة والحُكم. فلم يُؤثر عن القرآن طرح أنظمة حُكم كالملكية أو الدستورية أو الجمهورية أو الرئاسية أو البرلمانية وما شابه من أسماء ومسمّيات. هذه أمور متروكة للنّاس ولظروفهم وكيفما يشاؤون من أنظمة تخدمهم وبلدانهم وأهدافهم، ومن ثمّ وُجد شئ اسمه علم إدارة وعلم سياسة وما إلى ذلك من علوم دخيلة. بينما الإسلام لا يهمّه من ذلك سوى مبادئ وقيم تتعلّق بحفظ النّفس والأمن والحريّة ونظم الأمور والتّكافل الإجتماعي، وترك الكيفية للإنسان وابداعه وتطوره مع مسيره التّكاملي في الحياة. قوام الحياة يحتاج إلى نظم “أوصيكم بتقوة الله ونظم أمركم”، وإلى عدل ﴿يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وإلى نظام حكم ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّـهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علي عليه السَّلام بقوله المأثور: “لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ” [من الخطبة ٤٠ نهج البلاغة جمع الشّريف الرّضي]. فلا تستقيم الحياة بدون هذه فلا بدّ منها وإن كان الأمير غير مؤمن. إنّه أمرٌ دنيوي ليس إلّا. لكن! ولكن! ولكن! ما قيمة كلّ ذلك إن تولّى المؤمن ولم يعدل؟ هو نفسه ابن أبي طالب يحدّثنا عنه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ قال: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السَّلام بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي “مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ” فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَقَالَ عليه السَّلام “وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلا” [من الخطبة ٣٣ نهج البلاغة جمع الشّريف الرّضي].
لماذا كلّما ذُكرت عبارة فصل الدّين عن الحكم أو السّياسة مثلاً أو الدّولة المدنيّة مثلاً وما شابه تقوم قيامة البعض ويروح يلصق بها أشدّ الإتهامات إلى حدّ الخيانة وبيع الأوطان وتبعيّة الغرب والتّآمر على الإسلام …وإلخ، ثمّ ينصّب نفسه النّاصح الأمين على الدّين والبلاد والعباد وكلّ ما خلاه وعداه باطل في باطل؟
كفى متاجرة باسم الدّين. وإذا أتنزّل، فأقول كفى سفهاً في فهم الدّين.
لنتق الله تعالى وحده!
محمّد باقر الرّضوي الكشميري
١٤ جُمادى الأُولى ١٤٤٢